|
شيفرون وأسلحة ضائعة !
رضا الظاهر - هل كان مصرع 17 من المدنيين الأبرياء على يد مرتزقة بلاك ووتر، يوم السادس عشر من أيلول الماضي، وقبلهم الكثير على يدها وعلى أيادٍ أخرى، ثمناً حتى تنكشف حلقة جديدة من فضائح تنضاف
الى تلك التي هي جزء من تاريخ العم سام ؟
وعلى أية حال فقد شهد شاهد من أهلها كما يقولون، إذ أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي أن مقتل 14 مدنياً عراقياً على الأقل برصاص حراس الأمن التابعين لشركة بلاك ووتر، التي توفر الحماية لموظفي وزارة الخارجية الأميركية، لم يكن مبرراً، ووقع على نحو يخالف قواعد الاشتباك الخاصة بالشركة.
ومما يلفت الانتباه أن هذا جاء في الوقت الذي أقر فيه هوارد كرونجارو، المفتش العام بوزارة الخارجية الأميركية، بصلة شقيقه بشركة بلاك ووتر. ومعروف أن كرونجارو يتولى المسؤولية عن العقود التي تبرمها الوزارة وضمان ما يسمى البعد الأخلاقي في تعاملاتها.
ومن الطبيعي أن مغزى الاعتراف لا يرتبط بعدالة مكتب التحقيقات الفيدرالي، فهذه العدالة موضع جدل، وإنما يكشف عن تعارضات بين "مراكز سلطة" في واشنطن. ويبقى الأهم هو انكشاف حقيقة المزاعم الزائفة لجهات عدة تمتد من بلاك ووتر حتى وزارة الخارجية.
وبما أن حلقات جديدة تنضاف دائماً الى مسلسل الفضائح الذي يخرجه العم سام، فإن بوسعنا أن نشير، على سبيل المثال لا الحصر، الى اثنتين من آخر الفضائح.
فقد كشفت صحيفة "الفايننشيال تايمز" البريطانية عن أن شركة شيفرون، التي تعتبر ثاني أكبر شركة نفط أميركية، وافقت يوم الأربعاء الماضي على أن تدفع مبلغ 30 مليون دولار في إطار تسوية بعد اعترافها بدفع رشوات مقابل النفط الذي حصلت عليه بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء.
ويعتبر التحقيق مع شيفرون واحداً من القضايا الكبيرة الناجمة عن فضائح برنامج الأمم المتحدة الذي كان يفترض به حماية العراقيين من آثار العقوبات الدولية. وكشف التحقيق أن شيفرون اشترت النفط الخام من أطراف ثالثة دفعت رشوات وضرائب إضافية انتهت الى جيوب نظام مهندس المقابر الجماعية، الذي حصل على 1.8 مليار دولار بطريقة غير شرعية من برنامج النفط مقابل الغذاء، وهو المبلغ المعلن، أما ما خفي فقد كان، بالطبع، أعظم.
غير أن ما يلفت الأنظار أن فعلة شيفرون حدثت بينما كانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عضواً في مجلس إدارة شيفرون، وتترأس اللجنة التي تراجع العوامل السياسية التي يمكن أن تسبب مشكلات للشركة.
وكان التقرير الذي أعده بول فولكر، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، عام 2005 قد شخص أسماء عدد من متعاقدي الأطراف الثلاثة ممن باعوا النفط الخام العراقي الى شركات مثل شيفرون.
أما الفضيحة الثانية فهي تلك التي كشفت عنها "نيويورك تايمز"، الأسبوع الماضي، وهي الفضيحة التي تلقي الضوء، من بين أسرار أخرى، على قضية اختفاء 190 ألف قطعة سلاح مجهزة من واشنطن لقوات الأمن العراقية خلال عامي 2004 و2005.
فالمعلومات التي أوردتها التقارير المنشورة مؤخراً عن توريد الأسلحة وخزنها تثير المزيد من الشكوك حول طبيعة هذه القضية وأهدافها. فقد ارتاب البعض بأن الصفقات السرية تعمدت تسريب أسلحة بهدف إشعال نيران فتنة طائفية، بينما تحدث البعض الآخر عن تسريب جزء من هذه الأسلحة، التي لم يجر تسجيل أرقامها، عبر "متعاطفين" من العاملين في المستودعات الى الارهابيين، بينما اختفت أسلحة على أيدي "المتعاطفين" لأسباب أخرى بينها بيعها في السوق السوداء.
ومن بين أبرز القصص في هذه الفضيحة قصة المدعو ق . ص، رجل الأعمال العراقي الذي ائتمنه مسؤولون أميركان لتصدير أسلحة عام 2004 الى أكاديمية الشرطة العراقية. ويقول عاملون معه إنه حوّل مستودع الأسلحة الى سوق أسلحة خاص به بموافقة، كما بدا لـ "نيويورك تايمز"، من بعض المسؤولين الأميركان، وبينهم ضابطان لم يستهدفهما التحقيق. وأشارت الصحيفة الى أن تعاملات ص الضابط السابق في عهد النظام المقبور، الذي كان مسؤولاً عن الاشراف على مستودع الأسلحة، كانت غامضة وتتم تحت جنح الظلام، حيث كانت شاحنات تنقل أسلحة دون تفويض من أحد. لكن ذلك كان سراً مكشوفاً لجميع العاملين في المستودع، على الرغم من أن ليفوندا سيلف، ضابطة الجيش الأميركي التي أشرفت على عقد المستودع ونشاطاته الأخرى، كانت "تحت ضغط أوامر مشددة بعدم التحدث عن ذلك الى الصحافة".
* * *
هذه الفضائح هي، بالطبع، جزء من فضائح "ديمقراطية" العم سام التي تجسدت في التخبط السياسي لـ "المحررين"، الذين فرضوا وسيلة الحرب، واستطابوا قرارات حاكمهم المدني المستر بريمر، واستهانوا بوطنيي العراق الحقيقيين، وفرضوا منهجية المحاصصات المقيتة، وفعلوا كل ما أدى الى خراب البلاد، مثلما تجسدت في فضائح أبو غريب المخزية، ولصوصية شركات تمتد من هاليبيرتون ولا تتوقف عند بلاك ووتر، وقصص أخرى تبدو بلا نهاية ..
أيعقل أن يثق امرؤ بأن بوسع هؤلاء المحافظين الجدد بناء ديمقراطية حقيقية في عراق جديد حقاً!؟
************* |