|
انت راحل اذا.. ايها النبيل
> اسعد اللامي
قبل يومين، من وقع الفاجعة، وبعد ان اعجزتني عن رؤيته مشاغله الثقافية الكثيرة، كلفت الصديق علي عبد
السادة، بايصال مجموعتي القصصية"بقايا حلم اليه".
كنت حريصاً، أن تتلقفها يداه، واكثر حرصاً ان اسمع منه رأياً حول نصوصها، ربما بسبب من معرفتي، بثقافته الواسعة، ورؤاه النقدية السديدة، وحبه الجم للإبداع.
كنت قد كتبت له، على ورقة الاهداء.
الى المتواضع النبيل، كامل شياع.
رفقة الطريق، المفضي الى الحلم.
حلم الوطن، الخالي من موت الفجأة.
وموت الطلقة، وقضبان السجون، وجوع الانسان
وطن يحترم كرامة المرء، وحقه
في الفكر والرؤيا والحياة.
هل وصل الكتاب إليه؟ هل لامسته يداه؟
هل تلكأ علي عبد السادة، لأنشغالاته الكثيرة في الصحيفة عن ايصاله اليه؟
هل سمح له الوقت ان يتصفح ورقة منه؟ ورقة واحدة فقط ليجعلني أقول بفخر، كعزاء اخير لي، أنا المذهول حتى هذه اللحظة. والمصدوم بوقع خبر رحيله، ان مثقفاً كبيراً بحجم كامل شياع، قد لامست عينه الحبيبة احرفي، ولربما يكون قد حملها معه، نحو المدى الأزرق البعيد للأبدية اللا متناهية الأبعاد، ولا بد ان اسمع منه ملاحظاته حولها.. بعد ان يستريح هناك، ويستقر به المقام ربما في عملية تواصل عبر الاثير، فهو لم يتخل طوال حياته عن إسداء نصح، ولا يمكن للموت على الإطلاق مهما كان فجائياً ومرعباً، ان يثنه عن طبعه ذاك.
علي الآن.. ايها الباسم الجميل، ان اقول، انك اخترت موتاً، مبدعاً، جميلا، لسبب بسيط: انك تركت عن قناعة عالماً مليئاً بالورد، والوداعة، وفن العيش، تركته خلف ظهرك وأخترت، العراق، العراق مالك لبك منذ اليفاعة، اخترته ايضاً عن قناعة راسخة، وايمان مطلق، بغده الواعد الجميل، ولم يثنك عن عملك، وتفانيك، وتواضعك، وحبك للجميع، معرفتك بأن الطريق محفوفة بالمخاطر، وان الليل ما زال، يلقي عتمته على الارجاء، وذئابه المسعورة تسرح طليقة بين الجنبات، تلتقط الشرفاء، والمخلصين، بيض القلوب والايدي والألسنة، ليخلو لها المسرح، تلعب على هواها دون ان تفضح غلوها وتطرفها وسعيرها، عقلانية راء كبير،
هو الصراع ذاته، ايها الممتلئ بالصدق،
قوى النور مقابل قوى الظلام
هو الصراع ذاته ايها الرقيق، يلف العراق منذ ازمان سحيقة لست انا الذي يقول ذلك اليك، انت تعرفه، بما تملك من بصيرة ثاقبة، ولكنها اللحظة الماكرة، لحظة الخسة والغدر، لا يلجأ اليها الا من يحمل في داخله كل أدران التأريخ، وقبح الشر، وهمجية الظلام
أنت مرتحل إذا ايها الصديق، عن العراق الذي أحببته حتى الرمق الأخير.
الى بقاع رحيمة، لا غدر فيها، ولا عدوان
بقاع يعرف الإله فيها، ما تحوي أوعية القلوب
وما تضمه السرائر، من حب للكائنات،
يجزي عليها، ويختار لأصحابها، اهدأ الامكنة
بعد عناء الحياة في العراق.
نم قرير العين، وتيقن ان بذارك، سيهمي
عليه مطر جميل، وستشرق عليه شمس ساطعة
وسيغدو نبتاً وارف الظلال.
**********************
رؤية كامل شياع في
اعادة اكتشاف الواقع العراقي
يقدم المثقف العراقي كامل شياع ، المستشار في وزارة الثقافة العراقية صورة مختلفة اذ يرى ان حلمه في العودة لم يكن مبنيا على توقعات رومانسية، بل انه جاء متوقعا خرابا كبيرا يدفعه الى المزيد من التحدي لاكتشاف اسبابه والاصرار على مواجهته للمشاركة في صنع مستقبل البلاد.
من هنا كان قراره في البقاء في البلاد وعدم مغادرتها يقول: "كنت اعرف مسبقا ان هذا البلد قد تعرض الى تخريب وتعرض الى حصار وتجويع وانهاك كامل وتدمير بناه التحتية.
هذا مشهد خراب كنت اتوقعه. جئت الى العراق لكي اكتشفه واتعايش معه.ولكي أصبر ايضاعلى ازعاجاته ومشاكساته التي تواجهني.
وهذه قضية نجحت الى حد غير قليل في تطويع نفسي مع واقع صعب وواقع في الحقيقة يخذل الكثير من التوقعات الرومانسية المبنية عليه.
لكنه ايضا كان تجربة مهمة في العيش في مكان محدد وزمان محدد مع بشر محددين وفي سياق ملموس. وهذا ما كنت افتقده كعراقي عاش في الخارج لفترة طويلة وشعر ان اللحظة اتت لكي يستوي مع الناس ويبسط حياته و افكارة ويتعايش مع الواقع دون توقعات كثيرة ودون احلام ونظريات وتجريدات ومفاهيم.
وهذا ما امدني بطاقة هائلة على التحمل وقدرة على الرصد والاكتشاف والتعايش واكتشاف لغة جديدة مع هذا الواقع الذي بدا لي غريبا للوهلة الاولى.
ثم سرعان ما كشف لي وجهه الاخر وهو وجه عادي طبيعي فيه بشر لطيفون وفيه ارادات ومعالم جميلة بدأت اعيد اكتشاف المكان وبدأت ابني علاقات مع البشر ومشت الحياة لحد الان".
ويقدم كامل شياع تجربته في صيغة بحث عن المعنى وخلاص روحي من تجربة الاغتراب الطويل في التآلف مع بساطة الواقع والناس والبحث عن صور الحياة والامل في حياة الناس وسط طوفان الخراب والعنف.
ولكنه في الوقت نفسه يتمنى ان لاتكون عودة الاخرين الذين عادوا الى اغترابهم بعد ان لم يستطيعوا التعايش مع يسميه هذا السياق الغريب والمعقد في العراق ان لاتكون عودتهم تلك ناجمة عن خيبة ويضيف : " انا اعتقد ان العيش في العراق بالنسبة لمن عاش في الخارج وعاد اليه حتى لفترة قصيرة، اعتقد ان هذه قد وفرت له فرصة لاعادة توازن الذات ولكسر الصور الوهمية التي غالبا ماتكون زاهية عن الوطن.
ان المحصلة النهائية لمن عاد الى العراق وتركه من جديد هي فرصة لاعادة توازن الذات ولادراك الاشياء ولادراك التاريخ وثقل التاريخ.
شيء مؤسف في نهاية الامر عندما نرى مجموعة من المثقفين والشخصيات العراقية التي جاءت الى هذا البلد ثم اخفقت في التمكن من المعايشة والتعايش مع وضعه.
وهذا ما اعتقد انه يمثل على المستوى العام خسارة كبيرة للعراق، ولكن على المستوى الخاص اظن انها اغنت هؤلاء الافراد لانهم راوا الواقع بأم اعينهم وبالتأكيد توصلوا الى توازن ما".
ولعل تبدد حلم العودة لدى البعض على صخرة دوامة العنف والقتل الطائفي وتردي الخدمات واندحار الطبقة الوسطى العراقية. يدفعنا الى اعادة التساؤل هل نحن حلم عودة حقيقي يستند الى فهم للواقع ورغبة بتغييره ، ام رجع صدى حنين للذكريات والاماكن والماضي سرعان مايتبدد في اول اصطدام بصخرة تحولات الواقع .
وهل يظل الامر عند حلم يتم اجتراره في نتاج ادبي وفني وفي نوستالجيا جمعية ، ام اننا ازاء مشكلة هجرة واغتراب كبيرة تستدعي جهودا حكومية ودولية لحلها.
عن الـ “BBC”
---------**************
زنبقة الحب لن تموت
Ø عبد الزهرة علي
Ø كان كاملاً بصفاته، وقد شاع ذكره الطيب... ابتسامته، بشاشته، تواضعه، علمه، رؤياه... أي شيئ أتحدث عنه..لكني أقف مسائلاً قاتله.. وهو يصوب رصاصته باتجاه وجهه السمح.. الم توقفك البشاشة المرسومة على الوجه.. الابتسامة الخفيفة؟. الم يصادفك في محفل.. أو شارع.. أو تجمع.. رغم يقيني انك لم ترد هذه الأماكن مطلقاً.. لكن فقط أسألك. فإذا كان قد صادفك في يوم ما.. الم يعانقك ويطبع على خدك قبلة.. لان هذا ديدنه فإنه يحب الناس جميعاً حتى دون معرفة.. لقد تخلى عن كل أشكال الحماية والمتاريس.. لأنه ببساطة كان مؤمناً بأنه لا يعادي أحداً.. أحب الجميع.. والجميع أحبوه.. لكن ظلمات السياسة التي جاءت بالمحاصصة وتلك التي تتربص من خارج العملية السياسية الجديدة. حيث التغيير والتشكل والحلم بغدٍ أفضل. كلها تجمعت في بوتقة الظلام.. ونشر السواد بوجه الضياء للثقافة الجديدة فكان العدو الأكثر خطراً عليها هي تلك الثقافة العلمانية التنويرية التي تساهم فيما خربته الدكتاتورية والرجعية..نعم.. الثقافة الإنسانية والمعرفة العلمانية هي المناهض الأكثر تحدياً بوجه الظلام والتخلف والاستبعاد.. ارجع مرة اخرى وأسأل قاتله: كيف نظرت في عينيه العسليتين اللتين تفيضان محبة وتسامحاً .. كيف تجرأت على ضغط الزناد وزنبقة الحب تنثر شذاها في شارع المعرفة والتراث قبل دقائق.. ها هو جاءك من مكان الثقافة.. من شارع المتنبي... وغايته الإنتاج المعرفي الإنساني.. كيف تجرأت على ذبح سنبلة أنحنى ظهرها من الامتلاء.. فلم تستطع بعد ان ترفع شيئاً آخر في حياتها.. لأن ذيول جسدها.. وعظمها الواهن.. كانا قرباناً للقوة التي تمركزت في الرأس وفي النظرة البعيدة.. بالمعرفة والمحبة والخير.. وتركت وسائل تهديم الحياة للجهلة والمجرمين والسفلة... فلماذا أخذت أيها القاتل مزبلة التاريخ واللعنة الأبدية مكاناً لك..
Øلتعلم أيها القاتل إن زنبقة الحب لن تموت.. وسيبقى شذى عطرها يضوع جيلاً بعد جيل.. بأثرها المعرفي وسلوكها الإنساني.. فطوبى للشهيد انساناً احبه الوطن.. وطوبى للوطن الذي أنجب رجلاً بكته القلوب قبل العيون...!
Ø***********************
قــــالوا في كـــــامل شيــــــاع
أعربت شخصيات سياسية وثقافية عن استنكارها وأسفها لحادث اغتيال مستشار وزارة الثقافة كامل شياع، مشيرة الى أن مقتله يشكل خسارة كبيرة للوسط الثقافي العراقي. إذ هاجم مسلحون مجهولون السيارة التي يستقلها شياع علي طريق محمد القاسم للمرور السريع ما أدى الى مقتله فيما اصيب سائقه بجروح خطيرة نقل على اثرها الى المستشفى لتلقي العلاج،
وفي ذلك قال مدير العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة عقيل المندلاوي إن شياع الذي اغتيل ظهر السبت كان يرفض استخدام حماية خاصة له، وأضاف: " كان كامل شياع بدون حماية دائما، ويرفض أن يضع حماية، ويقول دائما إنه ليس بحاجة لها وانه ليس له أعداء، وننتظر الان ان يتعافى سائق شياع المصاب، وقد اتصلنا بوزير الصحة الذي ابدى اهتماما شخصيا به، من أجل التعرف على ملابسات الحادث."
وزير العلوم والتكنلوجيا رائد فهمي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذي كان شياع أحد أعضائه أوضح الصفات التي كان يتميز بها كامل شياع، قائلا: "كامل شياع نزيه بكل المعاني من الناحية الانسانية والثقافية ومن كافة النواحي واذا كان هناك من ينظر اليه بحقد فسينظر اليه لما يمثله من رمز، وحسب علمي ليس له عداوات شخصية الا ربما تلك التي تستهدفه كمركز وموقع ونهج بالعمل لا اكثر من ذلك."
الشاعر ابراهيم الخياط قال إن شياع يتمتع بشخصية ديناميكية مكنته من استقطاب المثقفين العراقيين بمستوياتهم كافة، وأضاف:"اكثر مثقفي العراق تجمعوا حول كامل شياع اثناء انعقاد مؤتمر المثقفين الاول في نيسان 2005 واصبحت العلاقات اليومية والفكرية والثقافية متينة بين المثقفين العراقيين وبين كامل شياع، استطاع ان يكون حلقة الوصل بين مثقفي الداخل ومثقفي الخارج وبين مثقفي القوميات ليس باعتبار مركزه بل باعتباره مثقفا عضويا."
الناقد والباحث الدكتور حيدر سعيد بين أن شياع قرر أن يتحدى كافة الظروف والتحولات التي يمر بها العراق، موضحا بقوله: "كامل من أفضل المثقفين العراقيين وهو من القلة، لم يكن الوحيد من المثقفين العراقيين الذين كانوا في الخارج وعادوا الى بغداد، واستمر يعمل فيها رغم ظروف العنف، كان يعمل في بناية وزارة الثقافة في شارع حيفا في عام 2006 وهو من الشوارع التي شهدت عنفا رهيبا، واستمر كامل يعمل هناك، وانا الذي استلمت اول امس رسالة الكترونية منه قال لي فيها:"خلاص البقاء في العراق، وأينما تكن لا بد أن نسير مع التأريخ الذي يتحرك في العراق، ويجب أن نبقى معه الى النهاية". لكن هذا الانسان الذي لم يفكر أن يسحق نملة، كانت الرصاصة اكبر منه."
وعدَ سعيد اغتيال شياع انكسارا للمثقفين الذين عزموا العودة الى العراق، إذ قال:"ربما كان مستهدفا كونه رجل دولة كمستشار، أو انه شيوعي وهو عضو في الحزب الشيوعي (..... )، من هي الجهة القاتلة، 70 الف جهة تعمل على القتل في العراق، لكن من الذي يستهدف لانعرف، كلنا ضحايا، وكل شيء جائز في العراق، في وقت قلنا خلص لنرجع الى العراق لنعمل، لكن جاءت هذه الحادثة لتكون كسرا لنا وليس لكامل شياع."
من جانبه اكد الناقد يحيى الكبيسي ان اغتيال شياع يشكل خسارة للعراق وشعبه فضلا عن الثقافة العراقية، وأفاد قائلا: " كان العالم كله متاح امام كامل شياع لكن اصر على العودة الى العراق اصر ان يعمل في مجاله الثقافي، في اصعب ظروف الاقتتال، شبه الحرب الاهلية عامي 2006 و2007 اصر كامل شياع ان يبقى في العراق، انا اعتقد ان العراق عموما والشعب العراقي والثقافة العراقية خسرت اليوم مواطنا عراقيا من الدرجة الاولى، مثقفا عراقيا من الدرجة الاولى، محبا للعراق من الدرجة الاولى."
الى ذلك اكد مسؤولون لراديو سوا ان شياع كان من المرشحين لمنصب مستشار رئيس الوزراء للشؤون الثقافية كونه احد ابرز المثقفين الذين اسهموا في اعادة الحياة الثقافة العراقية بعد سقوط النظام السابق.
|