|
رضا الظاهر- في الثلث الأخير من العام الخامس على "التحرير" تشير أنباء الى أن مجلس النواب يتجه الى تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة المتورطين في فضيحة سرقات برنامج النفط مقابل الغذاء في عهد الطاغية. أما عن
سرقات "مابعد التحرير" فالمجلس في صمت يثير ارتياب مراقبين ومحللين يتابعون فضائح السرقات والهدر والفساد المريعة.
والسرقات ليست جديدة، فأساسها يعود الى اللص الكبير، الذي أرسى ذلك الأساس، وجاء "المحررون" و"عراقيون جدد" ليطوروا تلك "الثقافة"، دافعين بها الى مدياتها القصوى.
غير أن المرء لا يكاد ينتهي من إلقاء ضوء على فضيحة حتى تبرز أمامه فضيحة جديدة، وربما أكثر من فضيحة، ليجد نفسه، أحياناً، يلهث محاولاً اختيار أكثر الفضائح خزياً حتى لا تفلت من إضاءته، كما تفلت من إضاءة معنيين يمتد خيطهم من مسؤولين في الحكومة الى برلمانيين وسياسيين، وقد لا ينتهي عند "المحررين" الذين فاقوا الجميع في فضائحهم.
وعلى أية حال فإن اختيار إضاءة فضيحة معينة هو من باب المثال لا الحصر، ذلك أن مسلسل الفضائح لا نهاية له كما يعرف القاصي والداني.
ومما يلفت الانتباه في إطار السرقات تلك التصريحات التي أدلى بها رئيس الهيئة العليا للنزاهة الشهر الماضي، وفيها قال إن البلاد خسرت نحو 40 مليار دولار بسبب الفساد المالي والاداري، مشيراً الى أن نسبة الهدر في قطاع النفط وصلت الى 19 مليار دولار. أما عن الوزارات الأكثر فساداً فتحتل وزارة الدفاع، حسب رئيس الهيئة، قمة الهرم، تليها وزارات الداخلية والتجارة والنفط والكهرباء، على أن الحلقات الوسطى في الوزارات تمثل الموطن الرئيس للفساد. ومن بين الوقائع المثيرة أن إقرار قانون أصول المحاكمات العسكرية يحوّل وزارة الدفاع الى حصن مغلق، مانعاً البرلمان من محاسبة أي منتسب إليها. وعن وزارة النفط يكفي الحديث عن ملفات تهريب النفط، بينما تكفي في وزارة التجارة الصفقات بآلاف الأطنان من الأغذية الفاسدة. وأما عن وزارة العمل فقد تسلل عدد كبير من التجار والموظفين وأصحاب المهن الى شبكة الحماية الاجتماعية المخصصة للفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل. ونحن بانتظار ملفات وزارات ومؤسسات أخرى.
والمافيات في بلاد الرافدين من مختلف الأنماط. فهناك مافيات لتهريب النفط وتجارة السلاح والمخدرات والأدوية، وأخرى لتزوير العملات والوثائق والمستندات الحكومية، وثالثة للمتاجرة بالنساء لأغراض الدعارة وبيع الأعضاء البشرية، ورابعة لتجارة الاختطاف لقاء الفدية، بل وتأجير قتلة لتنفيذ التصفيات مختلفة الأسباب، وبينها تصفيات بحق نزيهين معترضين على اللصوصية والفساد. وكل هذه وغيرها من الجرائم تقوم بها شبكات منظمة فيها أفراد عصابات ومهربون ومعدات تنفيذ من وثائق مزورة وأسلحة ووسائط نقل وصلات مع شبكات وتجار خارج الحدود. ومن الطبيعي أن تحدد كل مافيا سعر سلعها والخدمات التي تقدمها الى "الزبائن".
ولعل من بين أبرز الفضائح ما يتعلق بالشهادات العلمية المزورة التي تشير تقارير الى أن مسؤولين تحصنوا بها، وما يزال حاملوها مستمرين في وظائفهم ويتلقون رواتبهم و"نثرياتهم" من دولة البلاد التي تعتبر من بين الأكثر فقراً وفساداً في العالم، والتي يتجاوز عدد العاطلين عن العمل فيها نسبة 40 في المائة، وبينهم عدد كبير من الحاصلين على الشهادات العلمية الجامعية والعليا "غير المزورة"، ممن يعانون من العوز. وحسب مصدر في هيئة النزاهة تلاحق الهيئة 905 من قضايا تزوير شهادات علمية لمسؤولين.
أما مسؤولية "المحررين" عن السرقات والهدر والفساد فلم تعد موضع جدل. ويكفي التذكير بما ابتدأوا به عهدهم من تعريض تاريخنا الى السلب، إذ تحولت سرقة آثارنا الى رمز لعار الاحتلال الذي تركت قواته أبواب المتحف العراقي وخزائن التاريخ نهباً للرعاع. وأما ما أهدره حاكمنا المدني المستر بريمر من مليارات الدولارات فصفحة أخرى تضاف الى سجل الهدر الذي يحاول المحافظون الجدد التغطية على فضائحه. ووفقاً لما أوردته "نيويورك تايمز" أوائل الشهر الحالي يخمن مسؤولون أميركان أن ثلث ما أنفقته واشنطن على العقود والمنح انتهى الى السرقة، مع "حصص" ذهبت الى المليشيات، بينما يجري الحديث عن تهريب وثائق تدين مسؤولين أميركيين وعراقيين في صندوق التنمية وإعادة الإعمار، هذا ناهيكم عن سرقات هاليبيرتون وشقيقاتها المحروسات !
* * *
ما أكثر ما يمكن أن يُشترى في هذه البلاد، من النفط المهرَّب والسلاح، مروراً بالوثائق المزورة، وليس انتهاءً بضمائر من لهثوا وراء المال والجاه في عهد مهندس المقابر الجماعية، ومن لازالوا يلهثون في عهد العراق "الجديد"، ابتداءً من "الحواسم" وليس انتهاءً بصفقات ما خلف الكواليس، في أجواء الخراب الذي يعاني منه المجتمع بعد أن منحه المحتلون "بركاتهم" التي دفعته الى الفوضى والآلام ..
كل هذه الفضائح والاتهامات والمسؤولون يلوذون بالصمت .. وكل هذه المليارات تُهدَر بينما تتفاقم معاناة الملايين، وما من أحد يشهر سيفه أو يرفع صوته ..
كان سوق الورّاقين في بغداد العباسية رمزاً لسمو المعرفة، فصار سوق "مريدي" في بغداد "مابعد التحرير" رمزاً لانحدار الروح العراقية !
*********************** |