|
رضا الظاهر - خريجات جامعيات تضطرهن الحاجة الى العمل خادمات في البيوت، وسط إحساس بالإذلال في أجواء نظرة دونية للمرأة .. أطفال مشردون يمارسون مهناً شاقة أو يتسولون .. شباب يتوجهون الى
"المساطر"، ينتظرون ساعات وساعات على الأرصفة ثم يعودون الى بيوتهم بخفي حنين .. وآخرون فروا الى بلاد غربة بحثاً عن فرص عمل دون جدوى في الغالب .. وبعض ثالث رمى بهم العوز في أحضان جماعات مسلحة ومليشيات .. وساعون الى وظائف يعيشون دونما أمل، ذلك أن التعيين حكر على طائفة أو عبر وساطات أو رشوات.
هذه ليست سوى صورة واحدة من شريط يبدو بلا نهاية عن معاناة الملايين في ظل أزمات مستعصية لا ريب أن البطالة، التي يلاحق شبحها كل عائلة عراقية، تعتبر إحدى أخطرها.
ويلفت الأنظار أن مسؤولين كباراً تحدثوا، مؤخراً، عن تراجع في معدل البطالة بما يصل الى النصف تقريباً، غير أن أحداً منهم لم يكلف نفسه إبلاغنا عما إذا كان هذا التراجع نتيجة لتوفر فرص عمل جديدة. والحق إن أحد الأسباب الرئيسية الجلية لتقلص نسبة البطالة يتمثل في هجرة قوى قادرة على العمل الى الخارج، ناهيكم عن ظاهرة البطالة المقنعة.
وعلى الرغم من أنه ليست هناك أرقام نهائية دقيقة عن العاطلين عن العمل، فإن منظمات دولية تشير الى أن هناك ما يقرب من خمسة ملايين عاطل عن العمل، بينهم عدد كبير من الحاصلين على التعليم الجامعي والاعدادي. ويعيش في بلاد الرافدين أكثر من 20 في المائة دون مستوى الفقر، بينما يعيش حوالي 16 مليون شخص بدولار واحد يومياً في بلاد تعد ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم.
ولعل من بين أسباب البطالة تلك الفوضى الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وغياب سياسة واضحة في مجال توفير الوظائف واستيعاب الداخلين الجدد الى سوق العمل.
ولا ريب أن الدكتاتورية، التي كانت سبباً في المعاناة المريرة من العقوبات الاقتصادية، أسهمت في تفاقم هذه المعضلة المرتبطة بالهيكل المتخلف والأحادي الجانب للاقتصاد العراقي، وعسكرة الاقتصاد، والإنفاق على حروب الطاغية.
وجاءت سياسات الاحتلال المتخبطة وإجراءاته لتعمق من هذه المشكلة وتزيد من معدلات البطالة جراء فشل برامج إعادة الإعمار، وتوجيه كثير من الأموال الى نشاطات غير إنتاجية، وتخلف البنى التحتية الارتكازية، وتعطل كثير من المنشآت، وغياب التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية، وتباطؤ عملية الاصلاح الاقتصادي، ناهيكم عن غياب الأمن من ناحية، والإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال مما ضخّم من جيش العاطلين من ناحية ثانية. وكل هذا وغيره من المآسي يحدث في ظل اقتصاد ريعي استهلاكي يعتمد على النفط والمساعدات، وإجراءات تصب في طاحونة البنك الدولي وشروطه، وأموال مساعدة تصل إلينا من الباب لتعود الى المانحين، المتطلعين الى ثرواتنا النفطية، من النافذة.
وليس مجانبة للحقيقة القول إن حكومة المحاصصات أخفقت في معالجة هذه المشكلة، التي ما تزال تترك آثارها الاقتصادية والاجتماعية المدمرة على الملايين من العاطلين عن العمل، والشباب المتعلم منهم خصوصاً، ممن يعانون من عواقب سايكولوجية وخيمة بينها الشعور بالعجز والضيم والعزلة عن الآخرين والاغتراب عن المجتمع، ناهيكم عن الخوف من المستقبل والمجهول، واليأس من "العراق الجديد".
وإذا لم يكن من باب الغرابة أن نرى كثيرين من ذوي الاختصاصات من خريجي الجامعات ينخرطون في سلك الشرطة والجيش بسبب العوز المادي وعدم وجود وظائف شاغرة توفر لهم ممارسة اختصاصاتهم، فإنه مما يثير الأسى والفزع أن تتحول البطالة الى حاضنة للارهاب وتطرف المليشيات.
وعلى أية حال فليس من العسير على ذي بصيرة أن يرى أن سبيل الخروج من نفق البطالة يرتبط بشبكة السبل الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، ويتطلب إشراك سائر المعنيين بحل المشكلة عبر خطط وإجراءات وآليات فاعلة، وتنفيذ مشاريع اقتصادية قصيرة الأجل تستوعب أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل، وتوفير فرص عمل للفئات التي تعيش على هامش الاقتصاد والمجتمع، وزيادة اعتمادات مشاريع الأشغال العامة، وتقديم قروض للأسر المحتاجة لتحفيزها على القيام بأنشطة إنتاجية، ناهيكم عن خلق مناخات ملائمة للاستثمار الأجنبي وفق ضوابط تحمي مصالح اقتصادنا ومستقبلنا.
ومن نافل القول إن ظروف التحسن الأمني النسبي، التي ينبغي أن لا تهدر، والتي يتعين أن تترافق مع إجراءات على صعيد العملية السياسية تقطع طريق التهديد بعودة الفوضى والانفلات، لابد أن تكون عاملاً أساسياً يسهم في حل أزمة البطالة.
* * *
بينما نسمع عن نخب ممن "يكنزون الذهب والفضة"، ولا يخشون عقاب السماء أو الأرض، نجد الملايين ممن نصيبهم النوائب وخيبات الأمل .. أغنياء يزدادون غنىً مقابل فقراء يزدادون فقراً .. متخمون مقابل جياع .. محرومون أصحاب حق مقابل متبطلين أصحاب مال وجاه ..
الى متى ستظل هذه البلاد المنكوبة حيرى بين معاناة الملايين من ضحايا الاضطرار في صحراء المآسي وترف المتنعمين في "خضراء" الكراسي !؟
أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء !
***************
|